|
|
|
|
تشبثت بأطراف الكهف وجدرانه بقوة, ليس كهفا طبيعيا كما تعتقد... إنه كهف من صنعي أنا ...صنعته بالآغطيه والبطاطين.. التي أرقد تحتها الآن... الساعة الآن .....ثانية واحدة... إنها الواحدة بعد منتصف الليل .. كما يشير الموبايل ..... قبل أن أصنع هذا الكهف ..كنت أجلس على مكتبي أذاكر واضعا بجواري كاسيت ..تنساب منه أغاني أم كلثوم بصوت مرتفع..كنت جالس بالفانلة الداخلية والشورت مع أن البرق والرعد والعواصف التي تطرق الشبابيك بعنف..لا تدل إلا على أننا في عز الشتاء...وأخذت أحيانا أتراقص على بعض المقاطع الراقصة في أغنية ألف ليلة وليلة, وأغني معها ..وحينا أبكي في أغنية الأطلال و..وأقف وأشير بيدي كأنني مايسترو وأشير إلى أحمد الحفني عازف الكمان والقصبجي على العود وعبده صالح على القانون وأتخيل الفرقة وأشير لهذا وأوقف هذا....إلى أن انقطعت الكهرباء فجأة... تسمرت قدماي في الأرض وتوقفت يداي عن الحركة وفتحت عيناي عن آخرهما ...كان آخر وضع لي رافعا يدي اليمنى إلى مستوى النظر واليسرى منخفضة عنها قليلا, كوضع طبيعي لأي مايسترو ... ولا أعلم كم من الوقت مضى وأنا في هذا الوضع .... الصمت الرهيب والظلام مطبق على أنفاسي ..جو لا أستطيع التنفس فيه وكأني وقعت في بحر من الزئبق فالظلام ثقيل للغاية... كل ما استطعت أن أفعله هو أن أحرك عيناي في مقلتيهما وأجول بنظري في الحجرة بحذر ... عيناي فقط هما اللاتي تحركتا في هدوء وبطء... ثم توقفتا بغتة أمام جسم لامع ... فانتفض جسدي كله دفعة واحدة, ورجعت إلى الوراء ....وأخذت أفكر في هذا الشيء الذي يضيء في الظلام... وتذكرت أنني قد وضعت لاصق على الدولاب يضيء في الظلام فهدأت من روع نفسي...واستحقرتها في نفس الوقت على هذا الوهم الذي عشته وكاد أن يودي بي إلى العناية المركزة أو إلى محفة عم عبده الحانوتي. وأخذت أتلمس الهواء بأناملي ..إلى أن اصطدمت بالمكتب فسرت بمحاذاته إلى أن وصلت إلى الباب وخرجت إلى الصالة وأنا أستند على كراسي الأنتريه إلى ان وصلت إلى المطبخ ..وأخذت أبحث عن علبة كبريت ..إلى أن وجدتها وكانت تحتوي على عدد قليل من أعواد الثقاب ... استنتجته من صوت اهتزاز العلبة ووزنها وهذا مما دفعني إلى عدم استخدامه حتى أحصل على الشمع أولا ...وأخذت أصابعي تعمل في البحث عن الشمع في أدراج المطبخ ..لعلي أجد شمع ... مع أني أعلم مقدما أنه لا يوجد شمع..فأنا الوحيد في المنزل ومنذ تركت قريتي وجئت إلى هنا..... أاه نسيت أن أذكر لكم أني طالب في كلية الطب في السنة الأولى ...ولدت في قرية صغيرة ووالدي ميسور الحال أو من أعيان هذه القرية وهو متعلم ومثقف ولا أعلم ما الذي يدفعه إلى العيش في هذه القرية مع أننا نملك شقة في القاهرة وهي التي أنا فيها الآن وحاولت كثيرا أن أدفعه للمجيء إلى هنا وأن يسكن هنا هو وأمي ولكن باءت محاولاتي بالفشل الذريع وهذا ما جعل الخوف بطل حياتي دائما.... فما أصعب الوحدة وأشدها على الإنسان فكلمة الإنسان مشتقة من الأنس أي الشيء الذي يؤنس به فالإنسان لا يكتمل معناه إلا إذا عاش في مجتمعات وأنس كل أفرادهم بعضهم البعض .. بعد ذلك رجعت إلى الحجرة والرعب يملؤني لعدم عثوري على الشمع وأنا في طريقي إلى حجرتي نظرت إلى الحمام ولا أدري لماذا أخاف من رؤية الحمام في الظلام ..فهو يرتبط عندي بمنبع الجن ...كما أخبرني والدي وأنا صغير وأني لابد أن أدعو الله بأن يحفظني من الجن أثناء دخولي الحمام وعندما أخرج أحمد الله على نجاتي من الجن ,... وحقيقة أنا أحمد الله الآن أنني لن أدخله الأن والكهرباء مقطوعة.... هكذا أشعر بأن الحمام كأنه بئر عميق تخرج منه هذه الأشياء الأليفة التي تسمى بالعفاريت ( ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم..أنا لوحدي) إحساس غريب أحسست به وكأن هناك شيء يشدني إلى داخل الحمام ...تمالكت أعصابي واتجهت إلى حجرتي مستندا بأي شيء أعرفه...إلى أن لمست يدي ذاك الشيء المكتنز ..وكأنه ماس كهربي تبلغ قوته ألف فولت ..قد لامست يدي في هذه اللحظة ولا أدري بالزمن أو المسافة التي وجدت نفسي بعدها تحت الكهف أقصد تحت البطاطين والسرير الدافيء.. لقد كان حارا ..دافئا ....يشع حرارة يا للهول وما عسى أن يكون هذا الشيء غير جن ...نعم إن جسده ممتلئ بالشعر ..سترك يارب..إنه مكتنز كعجل تم تسمينه للذبح على العيد الأضحى يإلهي هل سيقترب مني الآن ليفترسني...هل جننت..؟؟ وهل يفترس الجن الإنسان؟؟؟!! لا بالطبع ...لا أدري لماذا أخاف من الجن...نعم إنه لن يأكلني ... وبالطبع لن يقتلني فأنا لم أفعل له شىء.....ولكني لامسته وربما هذا ضايقه ... وسيهجم علي في أي وقت إن لم يكن الأن فسيكون عن وقت قريب عندما تستسلم عيناي لشبح النوم وليته يهجم علي الأن وأخلد للنوم فشبح النوم أرحم بكثير من تحمل ألام وأنياب هذا الجني وأنا مستيقظ.... يا إلهي يا إلهي .... قد يكون هذا الذي لامسته وضايقته قد يكون كلبي...نعم ..قد يكون كلبي...اعذروني في قلقي هذا فأنا إلى الآن لا أعرف مثلكم ما كون هذا حيوان أم جني...؟؟ نعم قد يكون كلبي ولكن ما الذي رفعه فوق يد الصالون... لا لا .. ربما يكون جنيي جالس على الكرسي وخد راحته قوي ونام ...الله أعلم.. وفجأة جاءت الكهرباء كما ذهبت وعلى الفور كشفت البطانية وهدمت الكهف للمرة الثانية وهرعت إلى الصالة لأجد الكلب قد نام فوق يد الصالون فهدأت ولكن داخلي مازال يرتعد من الخوف ولا أستطيع أن أحدد لك سبب محدد... فاعذرني فلو أنت مكاني الآن لشعرت بأكثر من هذا ولا تنسى أن اليوم كانت أول مرة لي في حياتي أرى جثة أدمي مقطعة أمامي مثل لحم التونة... بعد ذلك رجعت إلى حجرتي وأطفأت الكاسيت الذي كان صوته عاليا جدا مما أثار أعصابي ولكن الصمت الرهيب الذي هبط على المكان فجأة بعد إطفاء الكاسيت جعلني أعيد تشغيله مرة أخرى واتجهت نحو سريري .. وانقطعت الكهرباء فجأة للمرة الثانية في نفس الليلة ,,,, يبدو والله أعلم إن الليلة دي موش هاتعدي على خير بدأت في صنع الكهف مرة أخرى في هذه الليلة الشؤم تحسبا لأي هجوم ..لا قدر الله.. وفجأة سمعت صوت حركة عنيفة فوق السطح.. اعتذر مرة أخرى (ودي أخر مرة هاعتذر فيها) لأنني لم أفسر أكثر فأنا أسكن في بيت مكون من أربعة طوابق والبيت كله ملك لأبي ..أما أنا فأقطن في الدور الأخير وجميع الطوابق قد قام والدي بتأجيرها ..و.. والسطح خالي تماما..إلا من حظيرة للفراخ يملكها أحد مستأجري الشقق ..هنا فقط سقط قلبي بين قدمي ..أسف فأنا الآن نائم بل سقط إلى تحت السرير ..فانتفض بسبب البرودة فعاد مرة أخرى إلى مكانه مكلوما ومتأثرا بالبرد والخوف...وأاه ثم ااه عندما يجتمع الخوف والبرد..فيكونا أعظم أسطورة رعب عرفها التاريخ.. هنا فقط زاد خوفي فالذي تحرك فوق السطح ...بلا أدنى شك هو لص ..وهنا يكمن الخوف الحقيقي فالجن من السهل التغلب عليه بقراءة أية الكرسي..أو ...أو... أما اللص فما الذي يمنعه بعد الله غير القوة ...وأنا والحمد لله لا أملك القوة التي أستطيع بها حمل جفوني... فأنا ضعيف وهزيل مع أني أتناول أطنان من اللحم وكأني أسد منأسود السيرك وأتناول كميات تكفي لسد مجاعات الصومال والسودان ...وأفريقيا جميعا.. لكن بلا فائدة تذكر... وللمرة الثانية جاءت الكهرباء ..خرجت من الكهف بهدوء متجها إلى مكتبي وفتحت أحد أدراجه وأحضرت كشافا كهربائيا (الذي لا يعمل الا بالكهرباء) وهو قديم لم أستعمله منذ أن أحضرته من بلدتي وكان هدفي هو الصعود إلى السطح ..لا أعلم ما سبب هذه القوة التي نزلت بي في مثل هذا الوقت إنها لحظات نادرا ما تزور الانسان ... نفحات من الشجاعة والتي قلما تزورني... توجهت بعد ذلك للمطبخ ..لأحضر شيء أدافع به عن نفسي فوجدت ساطورا قديما وأعجبني صوت ارتطامه بالهواء وأخذت أضرب به يمينا ويسارا ...وكلما سمعت صوت ارتطامه بالهواء زادت نشوتي وثقتي بنفسي واتجهت الى الصالة وفتحت باب الشقة فواجهني تيار عنيف من الهواء المثلج ورأيت خيطا رفيعا من الماء قد شقطريقه فوق درجات السلم, فأغلقت الباب بسرعة كي لا أصاب بالبرد (وأنا موش ناقص) واتجهت إلى حجرتي وارتديت حذاءا ثقيلا ومعطفي الثقيل جدا كما ارتديت قبعة من الصوف ولففت رأسي بكوفية زرقاء من الصوف بردك... وامسكت الساطور ودفنت مقبضه في إحدى جيوبي واتجهت إلى الصالة وأمسكت بالكشاف الكهربي وأخذت أتفحصه بنظرة سريعة ...ثم أمسكت بطرفي السلك المتصل به (لم تكن به فيشة) ثم وضعتهما في مصدر التيار الكهربائي... وعينك ما تشوف إلا النور ...انطلقت شرارة كهربية عنيفة لا أدري مصدرها بالضبط فقد أنطفأ النور فجأة بعد هذه الفرقعة المدوية التي صاحبت الشرارة ....لا أستطيع أن أصف السرعة والخوف والألم والرعب والفزع التي صاحبتني وأنا في طريقي للكهف ...أقصد البطاطين فهي المرة الثالثة والأخيرة هذه الليلة فقد انقطع التيار بلا رجعة فسأضطر للإنتظار للصباح حتى أستطيع أن أصلح الفيوزات وهاأنا الآن أتحدث اليكم من داخل الكهف ولا أستطيع وصف كمية العرق التي تخرج من كل سنتيمتر في جسدي.. ولا أدري كيف تخرج هذه الكمية من العرق في مثل هذا الطقس .. الوقت بطيء ..بدرجة مستحيلة ...بدرجة يستحيل معها كل الممكن إلى المحال.... بقولكوا إيه ...؟؟! تصبحوا على خـــــــــير.... خالد هشام
معلومات
التأليف.
|
![]()
|
|||